صبرها طويلٌ حتّى النّصرْ

صبرها طويل حتى النصر
بقلم عرفات بلاسمة
رائحة خبز الصاج تفوح في أنحاء المكان ……. العصافير تزقزق فوق شجرة التوت
التي أخذت مكانها في فناء البيت الصغير ……. أصوات الأطفال يصيحون بكلمات لا
يفهمها غيرهم ….. الحاجّة حرّية تخبز على الصاج بفرح…… " الخرقة " البيضاء
تغطي نصف شعرها ……حبّات من العرق تتهادى فوق وجه من الوطن …. فمها الذي
يذكر الله صباح مساء ينثر أنغاما لبث الصبر في الفؤاد ….: " صبرنا صبر
الخشب تحت المناشير ، ويش صبّرك يا خشب غير التقادير … وبلادنا المشرقة وإحنا الشباب فيها ….وان عجعجت للحرب بالروح نفديها …".
كان يحمل البندقية على كتفه في معركة الحق والكرامة … صور أطفاله الثلاثة
تمرّ كشريط ألم في مخيّلته …." ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة " ….
الوطن يحتاج إليك ….. عليك أن تقدم أفضل ما لديك …… هواجس كثيرة داهمته
خلال المعركة …. اختفى بعدها إلى الأبد بعد أن عاد إلى زوجته عريسا محمولا
على الأكتاف ………
كانت شابة في الثلاثين وثلاثة أطفال وبضع قضيّة
….. كان شعرها يحاكي الليل سوادا ، لكنها لا تعرف لماذا أصبح نقيّا كالثلج
بعد زفاف زوجها الشهيد ….. ثلاثة أبناء في عمر الورود …… رضعوا حبّ
الشهادة …. تعلموا أن ما بين المجد والكرامة .. " فلسطين " … حرّية عاهدت
زوجها أن تظلّ صامدة على الدرب …. قاومت كل العقبات …. تجاوزت كل الظروف كي
يشبّوا رجالا …… شجرة التوت نبتت في فناء المنزل بعد استشهاد ابنها الأول
….شجرة صبر شمخت معلنة رفضها للقهر بعد استشهاد ابنها الثاني ….. ثالث
أبنائها لا يزال في كرّ وفرّ وصمود ….. ربما تتناثر أشجار النصر فوق ربوع
الوطن أو ربما ………
خبز الصاج على مائدة صبر الحاجّة حريّة ……رجال
يطرقون الباب …… صوت تهاليلهم يشقّ عباب السماء … زغاريد الشهادة تحلّق
طيورا في أزقّة وفضاءات المخيّم ….. وحدها حريّة وبخطى صابرة مشت نحوه ….
جلست لتخضّب كفّي شهيدها بالحناء ….. وعادت لتخبز فوق صاج صبرها من جديد
…….
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق